عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
54
اللباب في علوم الكتاب
وقال أبو مسلم الأصفهانيّ « 1 » : بل كان آدم وإبليس في الجنّة ؛ لأنّ هذه الجنّة كانت بعض جنات الأرض ، والذي يقوله بعض النّاس من « أنّ إبليس دخل الجنّة في جوف الحيّة ودخلت الحيّة في الجنّة » فتلك القصة ركيكة ومشهورة . وقال آخرون : إنّ آدم وحوّاء ربما قربا من باب الجنّة ، وكان إبليس واقفا من خارج الجنّة على بابها فيقرب أحدهما من الآخر فتحصل الوسوسة هناك « 2 » . فإن قيل : إنّ آدم - عليه السلام - كان يعرف ما بينه وبين إبليس من العداوة ، فكيف قبل قوله ؟ فالجواب : [ لا يبعد أن يقال إنّ إبليس لقي آدم مرارا كثيرة ، ورغّبه في أكل الشّجرة بطرق كثيرة ؛ فلأجل ] « 3 » المواظبة والمداومة على هذا التمويه أثّر كلامه عنده وأيضا فقال تعالى : وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ [ الأعراف : 21 ] أي : حلف لهما فاعتقدوا أنّ أحدا لا يحلف كاذبا فلذلك قبل قوله . قوله : « لِيُبْدِيَ لَهُما » في « لام » « ليبدي » قولان : أظهرهما : أنها لام العلّة على أصلها ؛ لأنّ قصد الشّيطان ذلك . وقال بعضهم : « اللّام » للصّيرورة والعاقبة ، وذلك أنّ الشّيطان لم يكن يعلم أنّهما يعاقبان بهذه العقوبة الخاصّة ، فالمعنى : أن أمرهما آل « 4 » إلى ذلك . الجواب : أنه يجوز أن يعلم ذلك بطريق من الطّرق المتقدّمة في قوله وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ [ الأعراف : 17 ] . ومعنى قوله : « لِيُبْدِيَ لَهُما » ليظهر لهما ما غطّي وستر عنهما من عوراتهما . قوله : « ما ووري » « ما » موصولة بمعنى الذي ، وهي مفعول ل « ليبدي » أي : ليظهر الذي ستر . وقرأ الجمهور : « ووري » بواوين صريحتين وهو ماض مبني للمفعول ، أصله « وارى » كضارب فلمّا بني للمفعول أبدلت الألف واوا كضورب ، فالواو الأولى فاء ، والثّانية زائدة . وقرأ « 5 » عبد اللّه : « أوري » بإبدال الأولى همزة ، وهو بدل جائز لا واجب . وهذه قاعدة كليّة وهي : أنّه إذا اجتمع في أوّل الكلمة واوان ، وتحرّكت الثّانية ، أو كان لها نظير متحرّك وجب إبدال الأولى همزة تخفيفا ، فمثال النّوع الأوّل « أويصل » ، و « أواصل » تصغير واصل وتكسيره ، فإنّ الأصل : وويصل ، وواصل ؛ فاجتمع واوان في المثالين ثانيتهما متحركة فوجب إبدال الأولى همزة . ومثال النّوع الثّاني أولى فإنّ أصلها
--> ( 1 ) ينظر : تفسير الرازي 14 / 38 . ( 2 ) ينظر : المصدر السابق . ( 3 ) سقط من ب . ( 4 ) في الدر : آيل . ( 5 ) ينظر : البحر المحيط 4 / 279 ، والدر المصون 3 / 247 .